الفن التشكيلي السوري.. حداثة متجذرة أم امتداد للمدارس القديمة؟

يقف الفن التشكيلي السوري اليوم عند لحظة فارقة، تتقاطع فيها الحرية مع الذاكرة، والحداثة مع الجذور، فبعد سنوات طويلة من القيود، يستعيد الفنان السوري صوته البصري،

ويعيد طرح السؤال الجوهري، هل دخل الفن التشكيلي السوري مدارس حديثة جديدة، أم أنه يواصل مسيرته بوصفه امتداداً حياً للمدارس القديمة؟

في هذا السياق، تفتح “الثورة السورية” آراء نخبة من الفنانين والنقاد كنافذة واسعة على مشهد تشكيلي غني، متحوّل، ومشحون بالأسئلة الجمالية والفكرية.

حرية بعد زمن القيود

يؤكد رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا الدكتور محمد صبحي السيد يحيى، في حديثه لـ “الثورة السورية” ، أن واقع الفن التشكيلي السوري اليوم “واقع جميل ومبشّر”،

مشيراً إلى أن الفنان السوري نال حريته الكاملة في التعبير، وأصبح قادراً على رسم ما يريد، والتعبير عن رأيه بصدق وشفافية.

ويرى أن التحرر من القيود التي فرضتها حقبة النظام المخلوع أطلق طاقات إبداعية جديدة، جعلت اللوحة مساحة للتنفّس الإنساني، ولتجسيد أرقى معاني الإبداع الفني، بعيدًا عن الوصاية أو التوجيه.

مدارس جديدة أم امتداد للمدارس القديمة؟

حول سؤال المدارس الفنية، يوضح الدكتور يحيى أنه لا يمكن الحديث عن مدارس جديدة بالمعنى الأكاديمي الصارم، بقدر ما يمكن الحديث عن امتداد حي ومتجدد للمدارس الفنية القديمة،

فالفنانون السوريون اشتغلوا على هذه المدارس بروحهم الخاصة وبشخصياتهم المتفردة، ما أفضى إلى إغنائها برؤى وأساليب معاصرة، جعلت الفن التشكيلي السوري فضاءً مفتوحاً للتجريب والتحديث دون قطيعة مع الماضي.

وهنا تتجلّى خصوصية التجربة السورية، بوصفها تجربة تقف بين الماضي والحاضر، تعيد إنتاج التراث بصيغ جديدة، وتحوله من مادة جامدة إلى سؤال جمالي مفتوح.

من جهته، يرى الفنان التشكيلي وسيم الكل في حديثه لـ “الثورة السورية” أن الفن التشكيلي السوري لم يكن يوماً استنساخاً أعمى للمدارس الغربية الحديثة، ولا مجرد تكرار للمدارس القديمة، بل تشكّل عبر إعادة تأويل التراث،

فالذاكرة البصرية السورية، الممتدة من أوغاريت وتدمر وماري، مروراً بالفنون الإسلامية من زخرفة وخط ومنمنمات، شكّلت مخزوناً بصرياً وفكرياً يستدعيه الفنانون وفق رؤاهم وأسئلتهم الخاصة، لا بوصفه نموذجاً يُقلد، بل طاقة قابلة للتحوّل والتجدد.

مسار تاريخي متراكم

مع بدايات القرن العشرين، تأثر الفن التشكيلي السوري بالمدارس الأكاديمية الواقعية نتيجة دراسة عدد من الفنانين في روما وباريس، فبرز الرسم التمثيلي والبورتريه والمشهد المحلي، في محاولة لتثبيت الهوية البصرية.

ومنذ خمسينيات القرن الماضي، دخلت التيارات الحديثة بقوة، كالتعبيرية والانطباعية، حيث تحوّل اللون إلى أداة انفعال، وبرز فنانون مثل فاتح المدرس ولؤي كيالي، الذين عبّروا عن القلق الإنساني والهشاشة الوجودية بلغة تشكيلية حسّاسة.

لاحقاً، تطوّر التجريد السوري ليبقى مشدوداً إلى جذوره الثقافية، كما في تجربة محمود حماد الذي حوّل الحرف العربي إلى عنصر تشكيلي نابض بالإيقاع والروح، وصولاً إلى آفاق فلسفية أعمق في تجارب لاحقة.

ومنذ التسعينيات، انفتح الفن التشكيلي السوري على ممارسات الفن المعاصر، كالفن المفاهيمي والتركيب والفيديو آرت، متأثراً بالعولمة، والمنفى، والحرب، وتفكّك الشكل التقليدي للوحة،

وتحول العمل الفني إلى فكرة أو شهادة بصرية على واقع مأزوم، دون أن يعني ذلك إلغاء التراث، بل استدعاءه بوصفه ذاكرة أو جرحاً أو سؤالاً معلّقاً.

قراءة نقدية للمشهد الراهن

بدوره، يقدّم الفنان التشكيلي حسين صقور، قراءة نقدية لواقع الفن التشكيلي السوري اليوم، مؤكداً أن الحداثة الحقيقية لا تستورد، بل تنتج من داخل الخصوصية والجذور،

ويشير خلال حديثه لـ “الثورة السورية” إلى ضرورة التمييز بين المشهد المرتبط بالمعارض والأنشطة القائمة، وبين كنوز إبداعية لا تزال غائبة في المراسم والمشاغل لأسباب متعددة.

كما ينتقد صقور هيمنة الكم على حساب النوع في بعض المعارض، مؤكداً أن غياب التنظيم والندوات المرافقة يضعف دور المعرض في نشر ثقافة الفن،

ويرى أن التركيز المفرط على الفنانين الشباب، رغم أهميته، لا يعكس الصورة الكاملة للفن السوري، الذي تتبلور ذروة عطائه عبر التجربة الطويلة والنضج الفني.

في المحصلة، لا يمكن توصيف الفن التشكيلي السوري بوصفه قطيعة مع الماضي، ولا استسلاماً كاملاً للحداثة الغربية، بل هو حداثة تراكميّة، قائمة على توتر خلاّق بين الشكل الحديث والهوية المحلية،

هذا التوتر، بما يحمله من أسئلة وجودية وفلسفية، منح الفن السوري عمقه الإنساني وفرادته، وجعله فناً لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يفتح أفق الأسئلة عند الحدّ الفاصل بين الذاكرة والأمل، وبين الإنسان وظلّه.

الثورة السورية- رانيا حكمت صقر

Exit mobile version