الغلاء يضغط السوريين.. والحرب تهدّد برفع الأسعار أكثر

كشف تقرير صادر عن مؤسسة مبادرة إمباكت “IMPACT” في جنيف عن ارتفاع تكاليف المعيشة في سوريا خلال فبراير/شباط الماضي،

حيث بلغ متوسط كلفة سلة المواد الغذائية الأساسية الصغيرة والمتوسطة على المستوى الوطني نحو 169 دولاراً، أي ما يعادل قرابة 1.97 مليون ليرة سورية، مسجلة زيادة بنسبة 2% بالدولار و4% بالليرة مقارنة بشهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي. 

وسجلت مناطق وسط وجنوبي سوريا أعلى كلفة للسلة الغذائية عند 175 دولاراً، تلتها مناطق شمال شرقي سورية بـ172 دولاراً، فيما انخفضت في شمال غربي البلاد إلى 156 دولاراً، في ظل تفاوتات ترتبط بتكاليف النقل وسلاسل الإمداد. 

وأشار التقرير الصادر عن المؤسسة التي تعمل من خلال مبادرات ريتش “REACH” و أغورا “AGORA” وباندا “PANDA” من خلال دعم المؤسسات الإغاثية الإنسانية بالمعلومات ذات صلة لدعم أعمالها، إلى أن تباطؤ تراجع سعر الصرف لم ينعكس انخفاضاً في الأسعار،

إذ واصلت الضغوط التضخمية دفع تكاليف السلع الأساسية نحو الارتفاع في مختلف المناطق، كما ارتفعت كلفة السلة الغذائية المصغرة إلى 123 دولاراً بزيادة 3%، فيما بلغت كلفة مواد النظافة غير الغذائية نحو 12 دولاراً، بزيادة 4% بالدولار و6% بالليرة.

وعلى صعيد الخدمات، أظهرت البيانات توفر خدمات نقل المياه عبر الصهاريج لدى 85% من البائعين، رغم تسجيل نقص في بعض الأسواق، خاصة في السويداء، في حين شهدت أسواق الحسكة تعافياً نسبياً بعد اضطرابات يناير/كانون الثاني الماضي. 

أما في قطاع الطاقة، فقد انخفض متوسط كلفة تعبئة أسطوانة غاز الطهي (24 كغ) إلى نحو 11 دولاراً، بتراجع 8%، مع توفر عام للمادة، باستثناء مناطق شمال شرقي سورية التي لا تزال تعاني قيوداً في الإمدادات، ما يشير إلى استمرار هشاشة سلاسل التوريد. 

وسجل التقرير تراجعاً في إمكانية الوصول إلى الأسواق مقارنة بالفترة السابقة، نتيجة ارتفاع العوائق المالية أمام المستهلكين، إلى جانب تحديات تشغيلية تواجه المتاجر، لا سيما في محافظات الحسكة وحلب والرقة واللاذقية، ما يعكس هشاشة متزايدة في أداء الأسواق رغم استمرارها في العمل. 

مخاوف من تداعيات الحرب في المنطقة على الأسعار في سورية

في هذا السياق، حذر الخبير الاقتصادي  عمار يوسف، في تصريح لـ”العربي الجديد”، من أن ارتفاع الأسعار مرشح للتفاقم بفعل التوترات الإقليمية، ولا سيما في حال تطور المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى صراع طويل الأمد، مؤكداً أن الاقتصاد السوري غير قادر على امتصاص الصدمات الخارجية بسرعة. 

وأوضح يوسف أن الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على استيراد السلع الأساسية، وعلى رأسها القمح، ما يجعله عرضة لأي اضطرابات في سلاسل التوريد، مشيراً إلى أن التأثير المباشر للحرب قد يبقى محدوداً في حال استمرت لفترة قصيرة، لكنه سيتحول إلى عامل ضغط كبير إذا طال أمدها. 

وأضاف أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال تأثر إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والمنتجات النفطية، وبالتالي زيادة تكاليف النقل والإنتاج وانعكاسها على الأسعار محلياً، 

وبيّن أن سلاسل التوريد إلى سورية تعتمد بشكل أساسي على الطرق البرية عبر تركيا والعراق ودول الخليج، وهي لم تتأثر بشكل مباشر حتى الآن، إلا أن استمرار التوترات قد يفرض انعكاسات غير مباشرة عليها. 

وفي ما يتعلق بالدخل، أشار يوسف إلى أن متوسط الرواتب لا يتجاوز 200 دولار، في حين يتطلب الحد الأدنى لمعيشة أسرة نحو 1500 دولار شهرياً، مؤكداً أن التضخم يلتهم  أي زيادات في الأجور، ما  يبقي الأوضاع المعيشية عند مستويات متدهورة، 

وشدد على أن تحقيق أثر فعلي لأي زيادات في الرواتب يتطلب مقاربة اقتصادية متوازنة تشمل دعم الإنتاج المحلي وزيادة الإنتاجية لتلبية الطلب دون رفع الأسعار، إلى جانب اعتماد سياسات تضبط التضخم وتحافظ على القدرة الشرائية. 

وأضاف أن هذه المقاربة تستلزم خفض تكاليف الإنتاج والخدمات الأساسية، خاصة في قطاعات النقل والطاقة والصحة، وتحسين إدارة الموارد المالية بما يضمن استدامة الدعم وتحقيق توازن فعّال بين القطاعين العام والخاص. 

ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تقديرات أممية إلى أن أكثر من 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما يعاني نحو ربع السكان من فقر مدقع، في ظل استمرار تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع معدلات البطالة، ما يعمّق حدة الأزمة الاقتصادية والمعيشية في البلاد.

العربي الجديد- نور ملحم

Exit mobile version