التسول في حلب.. شبكات تستغل الأطفال!

شهدت مدينة حلب خلال الأشهر الماضية حملة مكثّفة للحدّ من ظاهرة التسول، نفذتها المحافظة بالتعاون مع مديريات التربية والشؤون الاجتماعية والصحة، في إطار خطّة منظمة هدفت إلى معالجة الظاهرة والحدّ من انتشارها، ولا سيما بين الأطفال.

واعتمدت الحملة على إعداد قاعدة بيانات دقيقة، من خلال رصد المتسولين ومراقبتهم لساعات طويلة، امتدت في بعض الحالات إلى أيام، ما أسهم في تحديد أنماط التسول والتمييز بين الحالات المحتاجة فعلياً وتلك التي تمتهن التسول كمصدر دخل.

وحققت الحملة، عبر مراحلها الثلاث الماضية، نتائج ملموسة، حيث لاحظ الأهالي انخفاضاً واضحاً في أعداد المتسولين في الشوارع، ولا سيما الأطفال المنتشرين على إشارات المرور، إلا أن الجهات المعنية تؤكد أن الظاهرة لا تزال قائمة، وأن العمل مستمر لمنع عودتها من جديد.

661 حالة.. أسباب متعددة والمهنة في الصدارة

وفي حديث خاص لـ”الثورة السورية”، أوضح مدير مركز مكافحة التسول في حلب محمود الأبرش، أن عدد الحالات التي تم التعامل معها منذ انطلاق الحملة بلغ 661 حالة تسول، مشيراً إلى أن أكثر من 70 بالمئة منها تندرج ضمن فئة ممتهني التسول.

وبيّن الأبرش أن هذه الفئة غالباً لا تتخلى عن التسول حتى في حال توفير مختلف أشكال الدعم، مؤكداً أن الإجراءات المتبعة تبدأ بتقديم النصح الإنساني وتنظيم تعهد خطي بعدم تكرار الفعل، وفي حال تكرار المخالفة، يتم تحويل الملف إلى الشرطة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وأضاف أنه في إطار إعادة التأهيل، جرى تأمين فرص عمل مناسبة لـ12 حالة من ممتهني التسول، إلا أن شخصاً واحداً فقط التزم بالعمل، ما يعكس صعوبة معالجة الظاهرة من دون إجراءات رادعة ودعم مجتمعي حقيقي.

وحول أسباب التسول، أوضح الأبرش أنها تنقسم إلى أربع فئات رئيسية، أولها حالات ناتجة عن الحروب والتشرد وفقدان الأبوين، ولا تتجاوز نسبتها 10 بالمئة، تليها الفئات المحتاجة فعلياً، كذوي الاحتياجات الخاصة والأرامل والأيتام، بنسبة تقارب 7 بالمئة.

أما الفئة الثالثة، فتتمثل في حالات استغلال الأطفال والمتاجرة بهم، وتصل نسبتها إلى نحو 30 بالمئة، في حين تعود النسبة الأكبر، التي تتجاوز 50 بالمئة، إلى ممتهني التسول، ما يجعل القضاء على الظاهرة مهمة شاقة تتطلب تضافر جهود الجهات الرسمية والمجتمع المحلي.

شبكات منظمة

أكد الأبرش وجود شبكات منظمة تعمل على استغلال الأطفال وإجبارهم على التسول، مشيراً إلى أن اللجنة تقوم بعمليات رصد ومراقبة دقيقة لهذه العصابات، تمهيداً لضبطها وإحالتها إلى القضاء.

أما الأطفال الذين يتم ضبطهم، فيُحالون إلى مركز مكافحة التسول في مدينة حلب، وهو مركز إيواء مؤقت، فيما تتكفل منظمات إنسانية بتقديم الرعاية الصحية والنفسية لهم،

مثل منظمة “سارت” التي تستقبل حالات في مركز الرعاية في أعزاز، وميتم “كن عوناً لهم” في مدينة الأتارب، حيث يخضع الأطفال لبرامج تأهيل ودمج مجتمعي وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة.

وشدد الأبرش على أن المرحلة الحالية تتسم بالحزم، ولا يوجد أي تهاون مع ممتهني التسول، مؤكداً أن محاربة الظاهرة مستمرة عبر القانون والقضاء.

دور المجتمع أساسي

وأكد الأبرش أن للمجتمع دوراً محورياً في الحدّ من الظاهرة، داعياً ميسوري الحال إلى تشكيل لجان أهلية في الأحياء، بالتنسيق مع مديرية الأوقاف ومديرية الشؤون الاجتماعية، لتقييم حالات الفقر وتقديم الدعم للأرامل والأيتام والمحتاجين الحقيقيين.

وأشار إلى أهمية الانتقال من العطف الفردي على المتسولين إلى العمل المنظم، عبر ما وصفه بـ”صندوق التكافل الاجتماعي”، بما يسهم في حماية الأسر من التفكك، والأطفال من الوقوع في دائرة التسول.

وختم الأبرش بالتأكيد على أن التسول ظاهرة عالمية موجودة في مختلف المجتمعات، إلا أن مكافحتها تتطلب استمرار العمل المشترك بين الجهات الرسمية والمجتمع، من خلال دعم المحتاجين الحقيقيين، والتعامل الحازم مع ممتهني التسول.

حالات إنسانية واحتياجات حقيقية

من جهتها، أوضحت عضو لجنة مكافحة التسول هناء قصاب، وهي متطوعة منذ بداية الحملة، أنها صادفت حالات عديدة دفعتها ظروف الفقر وقلة ذات اليد إلى التسول.

وأشارت إلى حالة طفل لا يتجاوز عمره تسع سنوات، يعيل إخوته الصغار بسبب إصابة والده بالعمى ومرض والدته، حيث جرى التعامل مع الحالة من قبل الشؤون الاجتماعية لتأمين الدعم اللازم للأسرة ومنع الطفل من العودة إلى التسول.

وفي المقابل، أكدت قصاب أنها شهدت أيضاً حالات تستغل تعاطف الناس لتحقيق مكاسب مادية رغم عدم حاجتها، مشيرة إلى أن المتطوعين يعملون بكافة الوسائل للتمييز بين المحتاجين الحقيقيين وممتهني التسول، في سبيل الحدّ من الظاهرة والقضاء عليها.

وفي ضوء ما تكشفه حملات مكافحة التسول في حلب من أرقام ومعطيات، تتضح الحاجة إلى مقاربة شاملة لا تقتصر على الإجراءات القانونية وحدها، بل تمتد إلى معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للظاهرة، وحماية الأطفال من الاستغلال، وتعزيز دور المجتمع في دعم المحتاجين الحقيقيين،

ويشكّل الحزم في مواجهة ممتهني التسول، إلى جانب تحمل المسؤولية الجماعية تجاه الفئات الأضعف، معياراً لنجاح الجهود الرسمية والمجتمعية في بناء بيئة أكثر عدالة وأمناً، تحمي كرامة الإنسان وتصون الطفولة.

الثورة السورية – راما نسريني

Exit mobile version