تشهد الأسواق المالية العالمية موجة صعود لافتة يقودها قطاع الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا،
في وقت تتباين فيه صورة الأداء بين المناطق الجغرافية، مع استمرار الضغوط التضخمية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد حالة عدم اليقين السياسي في أكثر من منطقة.
ورغم هذه التحديات، حافظت الأسهم العالمية على اتجاه صاعد واسع النطاق، مدعومة بنتائج شركات قوية وعمليات طرح عام أولي بارزة، ما عزز شهية المخاطرة لدى المستثمرين من وول ستريت إلى آسيا وأوروبا.
الأسهم الأمريكية
تواصل الأسهم الأمريكية قيادة المشهد العالمي، حيث ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 وS&P 500 بدعم مباشر من أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
وقادت شركات مثل سيسكو سيستمز، التي قفز سهمها 20% بعد نتائج قوية، موجة التفاؤل، إلى جانب الطرح الضخم لشركة سيريبراس سيستمز بقيمة 5.55 مليارات دولار، وهو الأكبر في السوق الأمريكية هذا العام.
كما تواصل أسهم شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي تعزيز مكاسبها منذ أبريل، متجاهلة جزئياً مخاوف التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات في الشرق الأوسط.
وفي المقابل، بدأت الأسواق الأمريكية تعيد تسعير توقعات السياسة النقدية، مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى أعلى مستوياتها في عدة أشهر، وسط بيانات تضخم قوية تشير إلى استمرار الضغوط السعرية.
توازن في أوروبا
في أوروبا، سجل مؤشر ستوكس 600 ارتفاعاً تدريجياً، مدعوماً بقطاعي التكنولوجيا والصناعة، لكنه يظل تحت تأثير مباشر لتقلبات العوائد السنداتية والمشهد السياسي.
وفي بريطانيا، حقق مؤشر فوتسي 100 مكاسب رغم الأزمة السياسية الداخلية وتزايد الحديث عن احتمال تغيير القيادة، في حين صعد مؤشر فوتسي 250 بدعم من بيانات نمو اقتصادي فاقت التوقعات.
لكن استمرار ارتفاع عوائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات فوق 5% يعكس مخاوف المستثمرين من الضغوط المالية والسياسية، ما يحد من زخم الصعود في الأسهم متوسطة الحجم.
آسيا والمحيط الهادئ
برزت الأسواق الآسيوية كأحد أقوى محركات النمو العالمي، حيث سجل مؤشر MSCI لآسيا والمحيط الهادئ ارتفاعاً، مدفوعاً بأداء قوي في اليابان وكوريا الجنوبية.
وفي اليابان سجّل مؤشر نيكاي 225 للأسهم مستوى قياسياً جديداً خلال تعاملات الخميس، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى المنطقة السلبية، في انعكاس لحالة تذبذب واضحة بين زخم قطاع التكنولوجيا وضغوط المخاوف التضخمية وارتفاع أسعار الفائدة.
وخلال الجلسة، لامس المؤشر مستوى غير مسبوق عند 63,799.32 نقطة، مدعوماً بمكاسب أسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، قبل أن يفقد زخمه مع تصاعد القلق بشأن مسار السياسة النقدية، وتزايد احتمالات تشديد الأوضاع المالية عالمياً.
وفي نهاية التداولات، انخفض مؤشر نيكاي 225 بنسبة 1% ليغلق عند 62,654.05 نقطة، متراجعاً عن قمته القياسية التي سجلها في وقت سابق من الجلسة.
كما امتد التراجع إلى السوق الأوسع، حيث هبط مؤشر توبكس بنسبة 1.03% ليصل إلى 3,879.27 نقطة، وسط عمليات جني أرباح وتبدل في شهية المخاطرة لدى المستثمرين بعد موجة صعود قوية شهدتها السوق في الأسابيع الماضية.
ويعكس هذا الأداء حالة التوازن الحساسة في السوق اليابانية بين دعم قوي من الطلب العالمي على أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات، وبين مخاوف متزايدة من استمرار التضخم العالمي واحتمالات رفع أسعار الفائدة، ما يزيد من تقلبات أسواق الأسهم في المرحلة الحالية.
وفي كوريا الجنوبية، اقتربت شركة SK Hynix من دخول نادي التريليون دولار، بعد ارتفاع أسهمها بأكثر من 200% منذ بداية العام، مدفوعة بطلب عالمي قوي على رقائق الذاكرة الخاصة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
أما في الصين، فقد شهدت الأسواق تقلبات محدودة مع ترقب نتائج القمة بين واشنطن وبكين، وسط تركيز المستثمرين على مستقبل التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
أسواق السندات والعملات
تزامن صعود الأسهم مع استقرار نسبي في أسواق السندات، رغم بقاء العوائد عند مستويات مرتفعة تاريخياً.
ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، فيما اقترب العائد الألماني من أعلى مستوياته في سنوات، بينما بقيت العوائد البريطانية قرب قمم متعددة السنوات، ما يعكس إعادة تسعير عالمية لتوقعات التضخم وأسعار الفائدة.
في سوق العملات، استقر الدولار مدعوماً ببيانات التضخم، بينما ظل الين الياباني تحت الضغط قرب مستويات ضعيفة تاريخياً، وسط مخاوف من تدخل حكومي محتمل.
السلع في قلب المعادلة
حافظت أسعار النفط على مستويات مرتفعة قرب 106 دولارات لخام برنت، مدفوعة باستمرار التوترات في الشرق الأوسط واضطرابات الإمدادات، ما يضيف مزيداً من الضغوط التضخمية العالمية.
في المقابل، استفاد الذهب من حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفع بنسبة 0.5%، بينما سجلت العملات المشفرة مثل بتكوين مكاسب طفيفة، في إشارة إلى استمرار الإقبال على الأصول البديلة.
ومع ذلك، حذر بعض المحللين من أن الأرقام قد تكون مُضللة بسبب تكديس السلع التي تخشى الشركات من ارتفاع أسعارها نتيجةً لاضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط.
قال روب وود، كبير الاقتصاديين البريطانيين في بانثيون ماكروإيكونوميكس: «علينا توخي الحذر عند تقييم الاتجاه الحقيقي».
كما أشار جورج براون، كبير الاقتصاديين في شرودرز، إلى أن القوة الاقتصادية قد تتراجع مع مرور العام.
وأضاف: «اعتاد الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة على بدء العام بدايةً قوية، ثم يتباطأ الزخم لاحقاً بسبب العوامل الموسمية المتبقية، وهذا يعني أن بنك إنجلترا سيتحدث بحزم، لكنه لن يصل إلى مستويات الرفع التي تتوقعها الأسواق».
وتتوقع الأسواق أن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة مرتين على الأقل هذا العام، وفقاً لبيانات جمعتها مجموعة بورصة لندن.
يخشى المستثمرون من أن يتبنى خليفة محتمل لستارمر موقفاً أكثر ميلاً لليسار، ويدعو إلى زيادة الإنفاق، على الرغم من الضغوط المالية التي تعاني منها بريطانيا. وقد ارتفعت تكاليف الاقتراض البريطاني طويل الأجل إلى أعلى مستوى لها منذ نحو 30 عاماً في وقت سابق من هذا الأسبوع.
وفي مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ، حذر الرئيس التنفيذي لشركة جيه بي مورغان تشيس، جيمي ديمون، من أن أي خطوة لرفع الضرائب على البنوك في حال استبدال ستارمر ستدفع البنك إلى إلغاء خطط استثمار مليارات الدولارات في مقر جديد بلندن.
رويترز
