الأدوات الكهربائية الحديثة.. “رفاهية مجمّدة” عند مؤشرات العدادات

بعد سنوات طويلة من العزلة والانغلاق، استبشر السوريون خيراً عقب التحرير بانفتاح الأسواق المحلية على التقنيات العالمية بما فيها الأدوات الكهربائية الحديثة.

وما إن تدفقت أحدث الأجهزة المنزلية، حتى تحوّلت واجهات المحال التجارية إلى معارض فنية لغسالات رقمية، وشاشات فائقة الدقة، وأفران تعمل باللمس، كانت حتى أمد قريب مجرد صور يقلبها المواطن عبر شاشته الافتراضية.

ومع هذا الانفتاح الكبير، سارعت أسر كثيرة إلى تجديد أدواتها بالكامل، بينما لجأت عائلات أخرى إلى الاقتراض والادخار لتأمين “جهاز العرس” لأبنائها، ظناً منها أن العبء الأكبر قد زال بتأمين الأجهزة الكهربائية.

لكن هذه الأحلام لم تدم طويلاً؛ إذ اصطدمت بواقع تعرفة الكهرباء الجديدة، لتحول تلك الأجهزة من أدوات أساسية إلى عبء ثقيل مرتبط بدوران عداد الكهرباء.

بين “الحاجة” و”الفاتورة”

في جولة ميدانية لصحيفة “الثورة السورية”، بدت ملامح الخيبة والصدمة على وجوه المواطنين جرّاء فواتير الكهرباء التي باتت تهدد حتى وجود البراد في الخدمة.

تتحدث السيدة جمانة (ربة منزل) بمرارة قائلة: “اشتريتُ مؤخراً غسالة ذكية وجلاية أطباق، ظناً مني أنني سأرتاح من عناء الغسيل اليدوي، لكن اليوم تحولت هذه الأجهزة إلى (صمديات) للزينة فقط ؛

ففاتورة الكهرباء الأخيرة قاربت 20 ألف ليرة جديدة (مليوني ليرة قديمة)، وهو ما يعادل راتب زوجي وابني معاً، مما دفعني إلى قطع التيار حتى عن البراد والاكتفاء بتشغيله لساعتين فقط في اليوم”.

من جانبه، يعلق أبو حازم (موظف متقاعد): “طبق علينا المثل القائل: (اجت الحزينة تفرح مالقت مطرح)؛ فرفع أسعار الكهرباء جعل أحلامنا في حياة عصرية تتلاشى مع أول فاتورة لا طاقة لنا على دفعها”.

ركود في الأسواق

لم تقتصر تداعيات رفع تعرفة الكهرباء على المستهلك فحسب، لكنّها أثرت أيضاً في عمق الدورة الاقتصادية، ووجدت المصانع المحلية نفسها أمام تحدٍّ مزدوج؛ من جهة ارتفعت تكاليف الإنتاج بسبب أسعار الكهرباء الصناعية،

ومن جهة أخرى، تراجعت القوة الشرائية للمواطن، مما ينذر بانكماش الصناعة المحلية أو تحولها نحو التصدير فقط، ما لم يتوفر دعم حقيقي لقطاع الطاقة الصناعي.

في المعارض والمحال الكبيرة، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، مع بضائع مكدسة وحركة بيع “بالقطارة”.

يوضح السيد محمد بيرقدار (صاحب معرض) قائلاً: “كان الإقبال في البداية جيداً جداً، الجميع أراد التجديد، أما الآن فقد دخلنا مرحلة الفرجة، وأصبح الزبون يسأل عن استهلاك الجهاز للواط قبل أن يسأل عن سعره أو جودته”.

صراع الخيارات

انقسمت آراء الشارع بين جودة الأجهزة المستوردة واقتصادية المحلية، فبينما يرى البعض أن الأجهزة الأجنبية تتفوق بالذكاء وسهولة الاستخدام، يفضل آخرون المنتج المحلي لرخص ثمنه وتوفر قطع غياره.

ويشير التاجر محمود صياد إلى تحوّل في سلوك المستهلك، إذ بات المواطن يميل حالياً نحو “الأجهزة المستوردة الموفرة للطاقة” رغم سعرها المرتفع، كاستثمار طويل الأمد لتقليل عبء الفاتورة.

ومع ذلك، تظل الصناعة المحلية “الملاذ الآمن” نظراً لسهولة صيانتها وتوفر قطع غيارها.

نتائج حتمية

يرى الدكتور والخبير الاقتصادي عبد الله قزاز، أن رفع أسعار الكهرباء بشكل “غير مدروس” قياساً بالدخل سيؤدي حتماً إلى شلل في تجارة الأجهزة التقليدية.

ويؤكد قزاز لصحيفة “الثورة السورية”: “لن تزول هذه الصناعة، لكنّها ستتحول بالضرورة نحو الأجهزة التي تعمل على  الطاقة الشمسية أو (الإنفيرترات) فقط”.

ويشير إلى أن الانفتاح الاقتصادي يحتاج بالدرجة الأولى إلى بيئة تشغيلية تدعمه، وعلى رأسها طاقة مستقرة بأسعار منطقية، وبدون ذلك ستبقى تلك الأدوات مجرد “قطع ديكور” أنيقة، تذكرنا بما وصل إليه التطور العالمي وما عجزنا نحن عن تشغيله.

الثورة السورية – بتول عبدو

Exit mobile version