أسواق التوابل في دمشق… عبق التاريخ ينعش ذاكرة المدينة

تستعيد أسواق التوابل في دمشق القديمة خلال شهر رمضان حضورها المميز، لتتحول إلى فضاءات نابضة بالحياة تمتزج فيها روائح الهال والقرفة والقرنفل بذاكرة المدينة العريقة.

وفي أزقة دمشق التاريخية، حيث تتجاور الحوانيت القديمة مع أصوات الباعة وعبق البهارات، تبدو هذه الأسواق شاهدة على تاريخ المدينة التي كانت عبر قرون محطة مهمة على طرق التجارة بين الشرق والغرب، حين كانت التوابل من أثمن السلع التي تمر عبرها إلى مختلف أنحاء العالم.

ذاكرة تراثية وحركة تجارية نشطة

أوضح الباحث في التراث ومدير البيت التجاري للحرف التراثية ونائب رئيس جمعية الشرقيات خالد الفياض لـ سانا الثقافية أن أسواق التوابل في دمشق تتحول خلال شهر رمضان إلى مركز حياة نابض، وفي مقدمتها سوق البزورية الممتد بين الجامع الأموي وقصر العظم، والذي يمكن وصفه بأنه “أرشيف حي لنمط الحياة الدمشقي” و“قصيدة عتيقة” تختصر تاريخ المدينة التجاري والاجتماعي.

وبيّن الفياض أن هذه الأسواق لا تزال تشكل خياراً اقتصادياً مناسباً للعائلات بفضل تنوع بضائعها وأسعارها المقبولة، إضافة إلى قدرتها على التكيف مع الظروف الاقتصادية، ما ينعكس في حركة شراء نشطة تبعث على التفاؤل بين التجار والزبائن.

من طريق الحرير إلى موائد رمضان

تحمل أسواق التوابل الدمشقية إرثاً تاريخياً عريقاً يعود إلى قرون طويلة، حين كانت دمشق محطة أساسية على طرق القوافل التجارية التي تربط الشرق بالغرب، ولا سيما طريق الحرير، عندما كانت القوافل القادمة من الهند وجنوب شرق آسيا تمر عبرها محمّلة بالفلفل والقرفة والقرنفل والزعفران والهال وفق الفياض.

ومع تعاقب الحضارات على الشام، من العصور الإسلامية إلى الحقبة العثمانية، تكرّس دور دمشق كمركز تجاري مهم للتوابل والأعشاب الطبية والعطرية، لتصبح أسواقها مكاناً تختلط فيه منتجات الشرق الأقصى بالبهارات المحلية القادمة من سهول الشام وجبالها.

وأشار الفياض إلى أن الحركة التجارية في هذه الأسواق تنشط بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان، مع ازدياد الطلب على البهارات التي تشكل أساس المطبخ الدمشقي التقليدي، مثل الهال والقرفة والقرنفل وجوزة الطيب والزعفران والمستكة، إلى جانب الزهورات الدمشقية التي ترافق موائد الإفطار والسحور.

وبيّن أن عدداً من الأطباق الدمشقية يعتمد على خلطات محددة من التوابل، فالفتة تُحضّر عادة بالكمون والسماق والفليفلة والنعناع اليابس، فيما تحتاج الملوخية إلى الكزبرة اليابسة والثوم والفلفل الأسود وورق الغار، بينما يعتمد إعداد اليبرق على النعناع اليابس والسبع بهارات والقرفة.

وتأتي هذه البهارات من مصادر متعددة حول العالم، منها الهند وفيتنام وإندونيسيا والصين للفلفل والقرفة والقرنفل، وغواتيمالا للهال والزعفران، إلى جانب المنتجات المحلية مثل الكمون واليانسون والزعتر والعصفر التي تحظى بثقة المستهلكين وإقبالهم.

أسواق تحرس هوية المطبخ الدمشقي

تعكس الأسواق التاريخية في دمشق، مثل البزورية ومدحت باشا والحميدية، تداخلاً فريداً بين الحياة اليومية والذاكرة الثقافية، حيث تتراص أكياس الزعفران والكركم والقرفة والفلفل والهيل في مشهد يشبه متحفاً حياً لتاريخ المطبخ الشامي.

ولفت الفياض إلى أن العائلات التجارية القديمة لعبت دوراً أساسياً في الحفاظ على أسرار خلطات البهارات الدمشقية المتوارثة عبر الأجيال، ما جعل هذه الأسواق جزءاً من هوية المدينة وعنصراً مهماً في حفظ التراث الغذائي السوري، كما أن طريقة عرض التوابل وألوانها وروائحها تمنح الزائر تجربة حسية فريدة، تجعل من هذه الأسواق فضاءً ثقافياً واجتماعياً بقدر ما هي مركز للتجارة.

تحديات اقتصادية وتغير في عادات شراء التوابل

رغم النشاط الموسمي الذي تشهده هذه الأسواق خلال شهر رمضان، يواجه تجار التوابل تحديات اقتصادية متعددة، من بينها تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف الاستيراد، إضافة إلى تراجع القدرة الشرائية لدى بعض المستهلكين.

وأشار الفياض إلى أن التجار يتعاملون مع هذه التحديات عبر تنويع درجات الجودة، وتخزين البضائع قبل الموسم، وتقديم خلطات جاهزة بكميات صغيرة تناسب مختلف الميزانيات، فضلاً عن التوسع في الاعتماد على المنتجات المحلية.

ولفت إلى أن عادات المستهلكين شهدت تغيراً في السنوات الأخيرة، إذ بات كثير منهم يفضل شراء كميات أقل مع اهتمام أكبر بمنشأ البهارات وجودتها، إلى جانب تزايد الإقبال على الأصناف البلدية، فيما لا تزال المنتجات العضوية ضمن نطاق محدود.

دعوة للحفاظ على هذا الإرث الدمشقي

ختم الفياض حديثه بالقول: “إن الحفاظ على أسواق التوابل الدمشقية يتطلب دعمها عبر تشجيع الزيارات والشراء المباشر، وتوثيق الخلطات التقليدية المتوارثة، وتعزيز حضور المنتج المحلي، إضافة إلى تنظيم فعاليات ثقافية رمضانية داخل هذه الأسواق وتحسين بنيتها التحتية بما يحافظ على طابعها التاريخي”.

وتبقى أسواق التوابل في دمشق، بما تحمله من روائح وذكريات، أكثر من مجرد أماكن للبيع والشراء، فهي ذاكرة حيّة لمدينة عرفت عبر التاريخ بأنها ملتقى طرق التجارة والحضارات، وما زالت حتى اليوم تنقل عبق تراثها إلى الأجيال القادمة.

سانا

Exit mobile version