أسعار اللحوم تشتعل في موسم الأعياد..

مع حلول موسم الأعياد، عادت أسعار اللحوم الحمراء إلى الواجهة مجدداً، مسجلةً ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأيام الماضية.

في مشهد بات يتكرر سنوياً ويضاعف الأعباء المعيشية على المواطنين، وسط شكاوى من غياب الرقابة التموينية وتفاوت الأسعار بين محل وآخر، رغم التطمينات الرسمية بعدم حدوث أي ارتفاع.

ولتقصي الواقع، أجرت صحيفة “الثورة السورية” جولة ميدانية في عدد من الأسواق، رصدت خلالها الأسعار وحركة البيع، ففي سوق باب سريجة بدمشق، أوضح اللحام محمد بكر، صاحب ملحمة العجل،

أن البيع يتم “مفرق بسعر الجملة”، محدداً سعر كيلو الهبرة بـ 100 ألف ليرة سورية، والشقف والشرحات بـ120 ألفاً، والفتيلة بـ140 ألفاً، فيما تباع النقانق والسجق بـ80 ألف ليرة.

أما لحم الغنم، فقد سجل ارتفاعاً أكبر، حيث بلغ سعر الهبرة نحو 200 ألف ليرة، والفخذ مع العظم 125 ألفاً، في حين تراوحت أسعار اللية بين 90 و100 ألف ليرة، وسودة الغنم 100 ألف ليرة.

وفي ريف دمشق، بدا التفاوت السعري أكثر وضوحاً، إذ لا وجود لتسعيرة موحدة، ويحدد كلّ لحام الأسعار وفق تقديره الخاص، ما زاد من حالة الاستياء لدى المستهلكين.

وخلال الجولة، أشار اللحام أحمد المصري إلى توفر لحوم مجمدة مستوردة بأسعار أقل من اللحوم المحلية، معتبراً أنها تشكّل بديلاً مناسباً لشريحة واسعة من المواطنين، في وقت وصف فيه أسعار اللحوم البلدية بأنها “طبيعية” قياساً بتكاليفها، رغم إقراره بعدم توافقها مع مدخول معظم الأسر.

وكان اللافت أن الأسعار لدى المحل ذاته ارتفعت في اليوم التالي للتصريح بنحو النصف، ما يعكس حالة عدم الاستقرار السعري حتى لدى البائعين أنفسهم.

المواطن بين العيد والقدرة الشرائية

وفي آراء مواطنين استطلعتهم “الثورة السورية”، أكد بعضهم أن ارتفاع أسعار اللحوم في فترة الأعياد بات ظاهرة سنوية، لكنّهم يضطرون رغم ذلك لشراء كميات محدودة لإحياء طقوس العيد، ويقول جود مخول، من سكان جديدة عرطوز: إن شراء اللحم بات عبئاً ثقيلاً، لكنّه “ضرورة اجتماعية لا يمكن تجاوزها”.

بدوره، عبّر سائق التكسي مجد زغتيتي عن واقع متكرر بقوله: “كلّ عام ترتفع الأسعار فجأة قبل العيد، ومع ذلك نشتري القليل، لأن العيد بلا لحم عيد بلا طعم”، فيما رأت مايا عبود، خلال تسوقها، أن غياب الرقابة الفعلية يجعل المواطن الحلقة الأضعف، مطالبةً بتشديد الضبط التمويني ووضع تسعيرة عادلة وملزمة.

أزمة أعمق من الأسعار

وفي قراءة تحليلية، أوضح الخبير الاقتصادي -أكرم عفيف – أن ارتفاع أسعار اللحوم لا يرتبط بتكاليف الأعلاف وحدها، بل هو نتيجة تراكمات بنيوية امتدت لسنوات،

مشيراً إلى أن الخسائر الكبيرة التي لحقت بقطاع تربية الماشية، ودخول اللحوم المستوردة سابقاً، وضعف القدرة الشرائية، أدّت إلى عجز المربين عن تأمين التركيبة العلفية اللازمة، وبالتالي تراجع أعداد القطعان وارتفاع الأسعار.

واعتبر عفيف أن قرارات الحكومة بإيقاف استيراد اللحوم المجمدة أو المذبوحة تُعد صائبة من حيث المبدأ، لكنّها غير كافية، إذ يحتاج القطاع إلى خطّة تنموية متكاملة تستفيد من المقومات المحلية لإنتاج لحوم بتكاليف أقل من المستورد، الذي يتحمل أعباء النقل والجمارك.

وأشار إلى أن تراجع الثروة الحيوانية يعود أيضاً إلى سياسات زراعية افتقرت للرؤية الشاملة، موضحاً أن التعامل مع القمح كمادة غذائية فقط، من دون النظر إلى التبن كمورد أساسي للأعلاف،

إضافة إلى توقف زراعة الشوندر السكري، حرم المربين من مخلفات صناعية كانت تشكّل أعلافاً شتوية مهمة، ودفعهم للاعتماد على أعلاف مستوردة مرتبطة بالدولار، ما رفع التكاليف وأدى إلى بيع أعداد كبيرة من القطعان.

وأضاف أن الجفاف، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، كلها عوامل ضاغطة على كلفة الإنتاج، معتبراً أن التوجه نحو الطاقة الشمسية قد يخفف جزءاً من الأعباء مستقبلاً، مشدداً على أن الحل لا يكمن بالدعم فقط،

بل بإدارة الموارد، وإنتاج أعلاف بديلة، وتحسين نوعية الإنتاج، ورفع مدخول المواطنين، كما حذر من أن الاعتماد المتزايد على اللحوم البيضاء انعكس سلباً على صحة الأطفال وارتفاع حالات فقر الدم.

تطمينات رسمية والواقع مختلف

في المقابل، رأى رئيس جمعية اللحامين – محي الدين محمد الريس-أن أسعار اللحوم “تقريباً كما هي ولم تشهد ارتفاعاً”، معتبراً أنها أقل من السنوات السابقة، وأن ما يرفع الأسعار هو ارتفاع تكاليف الأعلاف والمحروقات وأجور النقل والطاقة واليد العاملة والضرائب.

وأكد أن اللحم البلدي من أجود أنواع اللحوم في المنطقة، وأعلى قيمة غذائية من المستورد، وبالتالي أعلى ثمناً، مشيراً إلى أن الكميات المتوفرة كافية لتلبية حاجة السوق، وأن ضعف القدرة الشرائية هو السبب الأساسي لمعاناة المواطنين، معرباً عن أمله بتحسن الأوضاع قريباً.

وأضاف أن الجمعية قادرة، بالتعاون مع الجهات المعنية، على الحدّ من ارتفاع الأسعار عبر تعاميم وافتتاح صالات بيع بإشرافها، إلا أنه استبعد حدوث أي ارتفاع خلال موسم الأعياد، موضحاً أن ضبط المخالفات ليس من صلاحيات الجمعية بل من مهام الجهات التموينية.

غير أن الواقع الميداني، كما رصدته “الثورة السورية”، وكما أكده لحامون ومواطنون، يُظهر فجوة واضحة بين هذه التطمينات والأسعار الفعلية في الأسواق، في ظلّ غياب ضوابط حازمة وتسعيرة موحدة، ما يجعل أسعار اللحوم خاضعة لتقلبات يومية من محل إلى آخر.

وهكذا، يواصل المواطنون التأقلم مع واقع شرائي ضاغط، بانتظار أن تتحول الوعود والتصريحات إلى إجراءات ملموسة تنعكس استقراراً حقيقياً في الأسواق، لا موسماً جديداً من الغلاء مع كلّ عيد.

الثورة السورية – علا مفيد محمد

Exit mobile version