آثار إدلب بلا حماية.. إرث يتآكل بصمت!

تقف المواقع الأثرية في محافظة إدلب، شمال غربي سوريا، شاهدة على تاريخ يمتد لآلاف السنين،

لكنها اليوم تبدو أقرب إلى ذاكرة منسية منها إلى إرث حي. فبين جدران متداعية ونقوش مهددة بالاندثار، تتكشف ملامح خسارة صامتة، حيث تتآكل الهوية التاريخية تدريجياً في ظل غياب الحماية والصيانة، وغياب شبه كامل لدور المؤسسات المعنية.

واقع الإهمال.. فراغ بلا حراس

وقال خالد مبيض، أحد سكان بلدة البارة، إحدى القرى القريبة من موقع أثري جنوبي إدلب: “كنا نرى حراساً في السابق وزيارات من مختصين، أما اليوم فلا أحد يأتي، والموقع مفتوح للجميع”.

وأضاف في حديثه لصحيفة الثورة السورية: “لم يكن الأمر يقتصر على وجود حارس فقط، بل كانت هناك هيبة للموقع، وكان أي شخص يفكر كثيراً قبل أن يعبث بحجر أو ينقل قطعة صغيرة. أما اليوم فقد تغير كل شيء، ولم يعد هناك من يسأل أو يراقب، وأصبح الدخول إلى الموقع سهلاً في أي وقت، ليلاً ونهاراً”.

وأشار مبيض إلى أن هذا الفراغ الأمني والإداري لم يؤدِّ فقط إلى الإهمال، بل فتح الباب أمام أنماط خطيرة من التعديات،

قائلاً: “بدأنا نلاحظ حفراً عشوائية تظهر فجأة، وأحياناً تختفي أجزاء من المكان دون أن نعرف كيف أو متى حدث ذلك. بعض الناس يتعاملون مع الموقع كأنه أرض مهجورة، لا بوصفه جزءاً من تاريخنا.

والأخطر أن غياب الحراسة لم يعد حالة مؤقتة مرتبطة بالظروف، إنما أصبح واقعاً دائماً. لم نسمع عن أي خطة لحماية هذه المواقع أو حتى تنظيم زيارتها، كل شيء مهمل، وكأن هذه الآثار فقدت قيمتها”.

انتهاكات متعددة.. من التنقيب إلى السكن

في ظل هذا الغياب شبه الكامل للرقابة، أصبحت المواقع الأثرية في إدلب مسرحاً لانتهاكات متزايدة تتخذ أشكالاً مختلفة، تبدأ بالتنقيب العشوائي ولا تنتهي عند حدود التعدي المباشر على البنية التاريخية.

وفي هذا السياق، يروي فراس الحسون، أحد أهالي قرية دير حسان شمالي إدلب: “نرى أشخاصاً يحفرون ليلاً، يستخدمون أدوات بدائية، وأحياناً معدات ثقيلة، من دون أي رادع. هذه العمليات لا تبدو عشوائية بالكامل، وأعتقد أن هناك من يوجهها بحثاً عن قطع أثرية قابلة للبيع، ما يحول المواقع إلى أهداف مفتوحة لشبكات تهريب غير منظمة”.

ويتابع: “الحفر لا يكون سطحياً فقط، بل يصل أحياناً إلى أعماق تؤدي إلى تخريب طبقات أثرية كاملة، وهذه الطبقات تحمل تسلسلاً تاريخياً مهماً، وعندما تُدمّر لا يمكن استعادتها”.

ولا تقتصر الانتهاكات على أعمال التنقيب، فقد تحولت بعض الأبنية الأثرية إلى مساكن مؤقتة للنازحين أو لأسر تعاني من ضيق الحال، في ظل غياب بدائل سكنية.

ويقول الحسون: “نرى عائلات تعيش داخل هذه المواقع، وهذا مفهوم من ناحية إنسانية، لكن استخدام المكان للسكن يؤدي إلى تغييرات كبيرة، مثل بناء جدران إضافية أو إشعال النيران داخل غرف تاريخية، ما يسرّع من تدهور الموقع. وهناك حالات استخدام أخرى، مثل تخزين مواد أو تحويل بعض المساحات إلى حظائر للحيوانات، وهو ما يضيف ضغطاً يومياً على بنية هذه المواقع الهشة”.

ويؤكد الحسون أن هذه التعديات، وإن كانت في بعض الأحيان بدافع الحاجة، تسهم بشكل مباشر في فقدان المعالم الأصلية للمكان، وتمثل استنزافاً مستمراً لما تبقى من هذه المواقع.

وتلعب الطبيعة، إلى جانب العامل البشري، دوراً قاسياً في تسريع تدهور هذه المواقع، فالتغيرات المناخية، من أمطار غزيرة إلى موجات حر وجفاف، تؤثر مباشرة في الأبنية القديمة التي لم تعد تحظى بأي أعمال ترميم أو صيانة.

ويشير مختصون إلى أن غياب التدخل السريع يعني تضاعف الأضرار سنوياً، حيث تنهار أجزاء جديدة من المواقع، وتفقد النقوش والكتابات تفاصيلها تدريجياً.

من جانبه، يقدم حسان الإسماعيل، مدير الآثار في إدلب، تقييماً عاماً للوضع الحالي، مشيراً إلى تباين واضح بين المواقع الأثرية.

وقال في تصريح خاص لصحيفة الثورة السورية: “يمكن القول إن الوضع الحالي جيد نسبياً، وذلك يختلف بحسب الموقع، فبعض المواقع تعرضت لأضرار وتعديات كبيرة، سواء كانت أضراراً طبيعية كالزلزال، أو أضراراً بشرية من تجريف وتكسير وحفر.

في المقابل، لا تزال مواقع أخرى تحافظ على طبيعتها ووضعها السابق، بينما لحقت أضرار متوسطة الخطورة بمواقع إضافية، ونحن اليوم، كفنيين في الآثار، نعمل على توثيق هذه الأضرار وتصنيفها وترتيبها حسب درجة الخطورة”.

وينتقل الإسماعيل إلى أبرز التحديات التي تواجه هذا العمل، موضحاً: “أبرز التحديات التي نواجهها هو النقص في التمويل والموارد، ولا تزال هناك محدودية في الإمكانيات اللازمة لإعادة الترميم وحماية المواقع.

لذلك نأمل في دعم المنظمات الدولية، مثل اليونسكو، من خلال تقديم المساعدة الفنية واللوجستية لتنفيذ أعمال الترميم والصيانة. أما فيما يتعلق بعمليات النهب والتخريب، فهي لا تزال قائمة، وتتطلب زيادة عدد حراس المواقع، ونحن نعمل حالياً على الحد منها بشكل ملحوظ”.

وأوضح أن الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن حماية هذا الإرث هي دائرة آثار إدلب، بالتعاون مع المحافظة والبلديات في المدن والأرياف، إضافة إلى الجهات الرسمية المتمثلة بوزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف، إلى جانب المنظمات المهتمة بقطاع الآثار.

أما عن حجم الأضرار خلال السنوات الماضية، فأشار إلى تعرض العديد من المواقع الأثرية لأضرار على مستويات مختلفة، إذ شهد بعضها أعمال حفر عشوائي، فيما استُخدمت حجارة مواقع أخرى لأغراض البناء والتكسير، وتعرضت مواقع إضافية للقصف الصاروخي والمدفعي، ما ألحق بها أضراراً كبيرة، خاصة في موقعي سرجيلا وقلعة سمعان.

كما طالت الأضرار المتاحف، مثل متحف إدلب ومتحف معرة النعمان، ولا يمكن إغفال تأثير العوامل الطبيعية، وخصوصاً الزلزال الذي وقع في شباط 2023، والذي تسبب بتصدعات وتشققات في جدران العديد من الأبنية الأثرية.

وفيما يتعلق بعمليات التنقيب غير الشرعي، أوضح آلية التعامل معها قائلاً: “يتم التعامل مع التنقيب العشوائي من خلال تدابير قانونية تشمل فرض العقوبات والغرامات، إضافة إلى مصادرة الأدوات المستخدمة في الحفر”.

وحول خطط الترميم وإعادة التأهيل، كشف الإسماعيل عن خطوات بدأت بالفعل، قائلاً: “نعم، بدأت بعض المنظمات بوضع خطط جديدة، حيث تركز المرحلة الأولى على التوثيق، وتشمل تحديد الأضرار والتعديات في المواقع الأثرية، خصوصاً في منطقة جبل الزاوية.

وقد قامت اليونسكو بجولات ميدانية على هذه المواقع، كما تعمل منظمة تراث من أجل السلام على تنفيذ مشروع توثيق في جبل الزاوية على عدة مراحل، وبدأت المرحلة الأولى بإزالة الألغام وقد أُنجزت، ونحن الآن في مرحلة توثيق المباني الأثرية بشكل تفصيلي”.

وحول الإجراءات العاجلة المطلوبة، شدد على ضرورة التحرك السريع، قائلاً: “منع فقدان المزيد من المواقع يتطلب تنفيذ استراتيجيات أمنية وتشريعية واضحة، إلى جانب تدخلات إسعافية عاجلة، واستجابة سريعة من المنظمات المعنية”.

وفيما يتعلق بتوثيق الآثار وحفظها، لفت الإسماعيل إلى عدة وسائل معتمدة، منها التوثيق الرقمي والتصوير ثلاثي الأبعاد، إضافة إلى استخدام أنظمة المعلومات الجغرافية لربط المواقع الأثرية بإحداثيات دقيقة، ما يسهل متابعة حالتها بشكل دوري.

الثورة السورية – هدى الكليب

Exit mobile version